
عندما ترى كيف تهتم الأمم الأخرى بلغتها، تشعر بالأسى والحزن، بل وبالخزي أحيانًا لحالنا نحن أمة العرب. كل الدول المتقدمة والمتحضرة تولي عناية كبيرة بلغتها لأنها باختصار هويتهم، فإن فقدوها ضاعت هويتهم وضاعوا معها.
فمثلا، فرنسا المعروفة باهتمامها الشديد بلغتها وحرصها على نقاء لغتها وعدم ضياع لغتها في عصف أمواج العولمة التي يبدو أن الإنجليزية صاحبة نصيب الأسد فيها، لديها مجمع اللغة الفرنسية المعروف باسم Académie française أو اختصارًا بـ l'Académie، وهي أكاديمية تنال كل الدعم والاهتمام من الحكومة والمؤسسات والشعب على حد سواء.
والهدف الأساسي لهذه الأكاديمية هو وضع الضوابط التي تحكم اللغة الفرنسية من خلال تحديد المعايير المقبولة الخاصة بالنحو والمصطلحات وما إلى ذلك من أمور تتعلق باللغة. وهذه الأكاديمية تتولى كذلك صياغة الجديد من المصطلحات ومن أبرز الأمور التي تركز عليها هو وضع حد لتأثير اللغة الإنجليزية ومحاولة التخفيف من أثر الإنجليزية على اللغة الفرنسية. وفي سعيها هذا، تقوم الأكاديمية بوضع مصطلحات فرنسية مستحدثة لتأتي بمقابل للجديد من المصطلحات بالإنجليزية. والمادة 24 من المبادئ التي تحكم عمل هذه الأكاديمية تقول:
"المهمة الأساسية للأكاديمية هو العمل بكل عناية واهتمام لضمان نقاء وبلاغة لغتنا وضمان قدرتها على مواكبة ما يُستجد في الآداب والعلوم".
وفي هذا السبيل، تقوم الأكاديمية بنشر قاموس رسمي على موقعها وتتعاون في ذلك مع لجان المصطلحات الفرنسية وبعض المؤسسات المختصة.
وتجد الألماني يرد عليك بالألمانية إن حدثته بالإنجليزية رغم أنه يعرفها جيدا، وما يفعل ذلك إلا اعتدادًا بلغته.
ولكل هذا، قررت البحث في الإنترنت للوصول إلى مواقع المجامع اللغة العربية "العظيمة" وجاءت الصدمة. فكثير من مواقع هذه المجامع لا تعمل ولو وجدت رابطًا يعمل لأحد المجامع، تجد موقعًا هزيلا ضعيف المحتوى والتصميم ولا يوجد شيء عن أي مصطلحات جديدة مثلا. شعرت بالألم الشديد لما وصلت إليه حال لغتنا ومدى الإهمال الذي تتعرض له وتذكرت قصيدة حافظ إبراهيم في رثاءها وهي قصيدة رائعة تعبر عن حالنا اليوم.
رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِــي ~~ وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَنــي ~~ عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
وَلَدتُ ولمَّا لـم أجِــدْ لعرائسـي ~~ رِجالـاً وأَكفــاءً وَأَدْتُ بنـــاتِي
وسِعتُ كِتابَ اللـهِ لَفظـاً وغايـة ً ~~ وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ ~~ وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
وإذا كان هذا شعور حافظ إبراهيم رحمه الله الذي توفى في عام 1932، فلن تحتاج إلى كثير من التفكير لتعرف مدى التدهور الذي وصلت إليه لغتنا اليوم بعد ما يقرب من 81 عامًا على رحيل الرجل.
وعودة إلى مجامع لغتنا العربية، ها هي الروابط الموجودة على الإنترنت وسأترك لكم النقر على كل رابط لترى إلى أين سيأخذك وما يوجد على مجامعنا "الشامخة".
1) مجمع اللغة العربية المصري: لم يعد له أثر.
2) مجمع اللغة العربية الفلسطيني
3) مجمع اللغة العربية الليبي = لم أجد له موقعا. لكن يمكنك قراءة هذه الصفحة
4) مجمع اللغة العربية المغربي (مكتب تنسيق التعريب): يبدون أن الخادم غير متاح.
5) مجمع اللغة العربية السوداني: الموقع انتهت صلاحية اشتراكه ومعروض للبيع!!!! لمزيد من المعلومات عن المجمع، انظر هذا الرابط
6) مجمع اللغة العربية التونسي (بيت الحكمة)
7) مجمع اللغة العربية الجزائري (المجلس الأعلى للغة العربية)
8) مجمع اللغة العربية الأردني وهو في نظري أهم وأنشط هذه المجامع
9) مجمع اللغة العربية العراقي (المجمع العلمي العراقي) = لم أعثر له على رابط.
وإن كان البعض لا يعتبره مجمعًا لغويًا أصلاً. اقرأ هذا الخبر على موقع جريدة الشرق الأوسط
10) مجمع اللغة العربية السوري والذي تعتقد أنه الأفضل نظرًا لدور سوريا في تعريب جميع المناهج والعلوم: أين هو؟
أما ما يصيبني بالدهشة والحزن في آن معًا، أن أصحاب هذه اللغة من أهل شبه الجزيرة ليس لهم مجامع عربية على الإنترنت. حاولت البحث عن مجمع اللغة العربية السعودي، فلم أجد إلا موقع "مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية" وهو عبارة عن مبادرة شخصية من أشخاص سعوديين غيورين على لغتهم، بارك الله فيهم.
رغم كل هذه المليارات التي بحوزة دول الخليج ورغم أنهم أصحاب اللغة الأصليين، إلا أن ما يقترفونه من جريمة بحق لغتنا العربية تعتبر جريمة لا تغتفر.
واسمع ما يقوله مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في هذا الصدد: "ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة ، ويركبهم بها ، ويُشعرهم عظمته فيها ، ويستلحِقهم من ناحيتها ، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ : أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً ، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً ، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها ، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ"
أليس فينا رجل رشيد؟
